اسماعيل بن محمد القونوي

104

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وجه وصف ما أتاهم ليلا ببغتة أي فجأة من غير إشعار بحلوله بل يجوز خلافه فيه وفيما أتاهم نهارا يجوز إتيانه بغتة كما يجوز خلافه ولعل لهذا مرضه . قوله : ( وقرىء بغتة وجهرة ) بفتح الغين والهاء على أنهما مصدران بوزن غلبة وفي القراءة الأولى اسمان لما وقع من غير مقدمة وما وقع بتقدم امارة كما مر فيهما حالان في الأولى ومفعول مطلق في الثانية بالتقدير أي إتيانا بغتة أو جهرة قيل ومذهب الكوفيين أنه يجوز تحريك الثاني لكونه حرفا حلقيا قياسا مطردا كالبحر والبحر وما أرى الحق إلا معهم انتهى . والظاهر منه أن معناهما واحد وقد صرح ذلك القائل بأنهما مصدران في القراءة الشاذة . قوله : ( أي ما يهلك به ) أشار به إلى أن الاستفهام للإنكار الوقوعي فيرجع إلى معنى النفي وهذا أبلغ من أيهلك وليس مراده أن هل للنفي حقيقة لما مر من أن أرأيت الذي بمعنى أخبرني يلزم بعده الاستفهام ولو مجازا . قوله : ( هلاك سخط وتعذيب ) تصحيح للحصر الذي هو قصر الصفة إذ تأويله مفهوم الكون مهلكا أو هالكا مقصور على القوم الظالمين مع أن هذا المفهوم متحقق في غيرهم من الصالحين لرفع درجاتهم وتكفير سيئاتهم فصحة الحصر المذكور بهذا القيد المفهوم من السوق . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون الاستفهام راجعا إلى النفي ( صح الاستثناء المفرغ منه ) لأنه لا يقع في الإثبات إلا أن يستقيم المعنى وهنا ليس كذلك وأما قوله تعالى : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [ التوبة : 32 ] فمأوول بالنفي أي لم يرض اللّه إلا أن يتم نوره وليس المعنى ولذلك أي ولأن المراد هلاك سخط صح الاستثناء المفيد للحصر لأنه غير مختص بالاستثناء المفرغ وأيضا ما ذكرناه لازم في الاستثناء المفرغ قيل والمسألة نحوية لأنه في الاستثناء المفرغ يقدر العموم بما يقدر في الإثبات بالنفي وفيما لم يقدر ويجوز في الإثبات نحو قرأت إلا يوم الجمعة إذ يصح قرأت كل يوم إلا يوم الجمعة وهنا يصح هلاك ما عدا الظالمين إلا أن المعنى هنا على النفي لا أنه لولاه لم يصح الاستثناء المفرغ انتهى . وظاهره سهو إذ لا يصح يهلك كل قوم هلاك سخط إلا القوم الظالمون ولا يصح أيضا يهلك كل قوم إلا الظالمون كما يصح قرأت كل يوم إلا يوم الجمعة وإن أراد به الإمكان الذاتي لا الإمكان المجامع مع الفعل فهو مع كونه خلاف الظاهر فيرد عليه أن أكثر الإثبات كذلك ويختل قول النحاة والاستثناء المفرغ لا يقع في الإثبات إلا أن يستقيم المعنى وكون مراده الاحتمال الثاني ضعيف أما أولا فلما ذكرناه وأما ثانيا فلأن كون معنى ولذلك أي ولأن قوله : هلاك سخط وتعذيب جواب لما يقال إن العذاب إذا نزل لم يميز بين الظالمين وغيرهم فكيف خصص الهلاك بهم والجواب أن الهلاك وإن أعم الأبرار والأشرار إلا أن أهل الأشرار من جهته تعذيبهم وسخط اللّه عليهم وهلاك الأبرار ليس من تلك الجهة بل يستوجبوا أن يسبب نزول ذلك البلايا بهم مثوبات عظيمة ودرجات رفيعة .